محمد بن عبد الكريم الشهرستاني
538
تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار
دعوى الكاذبين ؛ ويجب على اللّه تعالى خلق تلك الآية حتّى لا يكون تكليفه تكليف المحال . ثمّ إذا قبل توجّه السؤال ولم يأت الرسول بالآية ؛ إذ الآيات من عند اللّه : وَما كانَ لَنا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ، لزم منه إفحام النبيّ وهو المفحم . أو قيل : توجّه السؤال على اللّه ولم يفعل ؛ إذ الخلق مستند إلى مشيئة اللّه ، ولو شاء اللّه لأنزل ملائكة ، لزم منه إلزام اللّه وهو الملزم ؛ فكما قال الذين لا يعلمون مثل قول الماضين ، قال المتكلّمون مثل قول الجاهلين الذين لا يعلمون ؛ والسؤالان على مذاهب النبوّات محالان ؛ فلا يتوجّهان على اللّه ولا على أنبياء اللّه ، وإنّما آيات صدق النبوّات فمن نفس دعاويهم ولا منازع لهم . وسرّ آخر : تشابه المقالات دلّ على تشابه القلوب ، وتشابه القلوب دلّ على تشابه النفوس والعقول ؛ وقد يعبّر التنزيل عن شدّة التشابه بأنّها هي بعينها كما قال تعالى : فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ أي المكذّبون من قبل هم المكذّبون من بعد ؛ وذلك مستروح التناسخية ؛ وقد يعبّر التنزيل بشدّة التشابه عن اتّخاذ الأحكام ، كما قال تعالى : وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى . * وبالجملة : المقالات والمذاهب والتصوّرات والأخلاق صور النفوس ، وإنّما استقامة النفوس باستقامتها على جادّة الحقّ ، وكذلك اعوجاج النفوس باعوجاجها على زيغ الباطل ؛ ومن قال : لَوْ لا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ فقد طلب لنفسه أمرا فوق مرتبته ؛ ومن قال : أَوْ تَأْتِينا آيَةٌ فقد تعرّف حال النبيّ بأمر دون رتبته ( 235 آ ) . والموقنون وقّروا حال النبيّ توقيرا ؛ فرأوا الآية في نفس دعوته ، وسمعوا كلام اللّه من عين كلمته ، وقال اللّه تعالى تصديقا لهم : قَدْ بَيَّنَّا الْآياتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ . قوله - جلّ وعزّ - : إِنَّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلا تُسْئَلُ عَنْ أَصْحابِ الْجَحِيمِ ( 119 ) النظم قوله : إِنَّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً تقريرا لنبوّته - صلّى اللّه عليه وآله - وكلّم الناس بلسانه ؛ وهو مطلوبهم ليعلم أنّه تعالى لا يكلّم البشر إلّا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيكلّمهم بلسانه ويظهر آيته لهم ببيانه .